أسس
الشريعة الإسلامية ومحاسنها
أول خطبة جمعة ألقيتها في حياتي
وكانت في شهر ذي القعدة 1429 هـ -
2008 م
بمسجد الفرقان بمنطقة شدس بالإسكندرية
ملحوظة : كنت حينها
متأثراً بدراستي الأكاديمية في كلية الشريعة .. لذلك ربما يغلب على الخطبة الطابع الأكاديمي
لتحميل الخطبة pdf من هنا
الْخُطْبَةُ الْأُولَىٰ
إِنَّ
الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ
مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا
مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إِلَّا
اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ..
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ
مُسْلِمُونَ} [آلِ عِمْرَانَ: 103]
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ
اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللهَ
الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النِّسَاءِ: 1]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ
أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ
فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الْأَحْزَابِ: 70-71]
أَمَّا
بَعْدُ.. فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ
– صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا،
وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي
النَّارِ، ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ..
هَذَا
يَوْمُ الْجُمُعَةِ، خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، أَفْضَلُ أَيَّامِ
الْأُسْبُوعِ وَسَيِّدُهَا، سُمِّيَ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهِ،
أَوْ لِاجْتِمَاعِ الْخَيْرِ فِيهِ، أَوْ لِاجْتِمَاعِ آدَمَ وَحَوَّاءَ فِيهِ، وَقِيلَ
غَيْرُ ذَلِكَ..
فِي هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ..
وَجَبَ عَلَىٰ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْعَوْا إِلَىٰ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَشُرِعَتْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ حَتَّىٰ يَجْتَمِعَ النَّاسُ
عَلَىٰ الْخُطْبَةِ، الَّتِي يَسْتَمِعُونَ فِيهَا إِلَىٰ مَا يُعَلِّمُهُمْ أُمُورَ
دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَمَا يُذَكِّرُهُمْ بِأُخْرَاهُمْ، ثُمَّ لِيَتَعَارَفَ النَّاسُ عَلَىٰ
الْخَيْرِ.. يَتَعَارَفُ الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ كَمَا قَالَ
اللهُ – عَزَّ
وَجَلَّ – {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا
خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ
خَبِيرٌ} [الْحُجُرَاتِ:
13]
وَعَنْ طَرِيقِ التَّعَارُفِ يِتِمُّ التَّآلُفُ،
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ((الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا
تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
هَذَا التَّآلُفُ وَالتَّرَابُطُ،
وَتِلْكَ الْمَحَبَّةُ.. تَكُونُ سَبَبًا فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللهِ
جَلَّ
وَعَلَا..
قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّىٰ
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ((وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّىٰ تَحَابُّواْ،
أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُواْ
السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
أَرَأَيْتُمْ
عِبَادَ اللهِ إِلَىٰ نَقَاءِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَرُقِيِّهَا، يَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ
فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَيَتَعَارَفُونَ فَيَتَآلَفُونَ فَيَتَحَابُّونَ، فَيَكُونُ
ذَلِكَ سَبَبًا فِي دُخُولِهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا..
فَانْظُرُوا رَحِمَكُمُ
اللهُ، وَتَمَعَّنُواْ فِي مَقَاصِدِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ، وَهَذَا
الدِّينِ الْعَظِيمِ، الَّذِي ضَمِنَ اللهُ – عَزَّ وَجَلَّ – لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ حَقَّ
التَّمَسُّكِ أَنْ يَنْصُرَهُ وَيُعِزَّهُ وَيَرْفَعَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ،
قَالَ تَعَالَىٰ {وَعَدَ
اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ
مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا
وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور : 55]
هَذَا الدِّينُ الْعَظِيمُ
الَّذِي ارْتَضَاهُ اللهُ – عَزَّ وَجَلَّ – دِينًا فَقَالَ سُبْحَانَهُ {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ} [آلِ عِمْرَانَ: 19]، لَنْ يَقْبَلَ اللهُ – عَزَّ وَجَلَّ – مِنْ أَحَدٍ دِينًا
سِواهُ، قَالَ تَعَالَىٰ {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ
الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ
الْخَاسِرِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 85]
وَفِي
صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ
وَلاَ نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ
إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ))
وَمَعْنَىٰ
الْإِيمَانِ بِهِ – صَلَّىٰ
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَيْ: تَصْدِيقَ مَا جَاءَ بِهِ مَعَ الْقَبُولِ
وَالْإِذْعَانِ، فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا يَجِبُ
أَنْ يَقْتَرِنَ مَعَهُ الْقَبُولُ وَالْإِذْعَانُ وَالْخُضُوعُ وَالِاسْتِسْلَامُ
وَالِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ.. وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَبُو طَالِبٍ مُؤْمِنًا بِالرَّسُولِ
– صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَعَ تَصْدِيقِهِ لِمَا
جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ – صَلَّىٰ
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَشَهَادَتِهِ بِأَنَّ هَذَا الدِّينَ مِنْ
خَيْرِ الْأَدْيَانِ..
قَالَ
الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ – رَحِمَهُ اللهُ – عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِ
اللهِ – جَلَّ وَعَلَا – {وَهُمْ
يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} [الأنعام: 26]:
رَوَىٰ
أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّىٰ
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ قَدْ خَرَجَ إِلَىٰ الْكَعْبَةِ يَوْمًا
وَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ أَبُو جَهْلٍ – لَعَنَهُ اللهُ –: مَنْ يَقُومُ إِلَىٰ هَذَا
الرَّجُلِ فَيُفْسِدَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ؟
فَقَامَ
ابْنُ الزِّبَعْرَىٰ، فَأَخَذَ فَرْثًا – أَيْ: فَضَلَاتِ الْبَهَائِمِ مَا دَامَتْ
فِي كِرْشِهَا – وَدَمًا فَلَطَّخَ بِهِ
وَجْهَ النَّبِيِّ – صَلَّىٰ
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَانْفَتَلَ النَّبِيُّ – صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَتَىٰ
عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ، فَقَالَ: يَا عَمِّ أَلَا تَرَىٰ مَا فُعِلَ بِي؟، فَقَالَ
أَبُو طَالِبٍ: مَنْ فَعَلَ بِكَ هَذَا؟ فَقَالَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ الزِّبَعْرَىٰ..
فَقَامَ
أَبُو طَالِبٍ، وَوَضَعَ سَيْفَهُ عَلَىٰ عَاتِقِهِ، وَمَشَىٰ مَعَهُ حَتَّىٰ أَتَىٰ
الْقَوْمَ، فَلَمَّا رَأَوْا أَبَا طَالِبٍ قَدْ أَقْبَلَ؛ جَعَلَ الْقَوْمُ يَنْهَضُونَ،
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَاللهِ لَئِنْ قَامَ رَجُلٌ جَلَلْتُهُ بِسَيْفِي – أَيْ: جَنَيْتُهُ بِسَيْفِي – فَقَعَدُوا حَتَّىٰ دَنَا
مِنْهُمْ، فَقَال: يَا بُنَيَّ مَنِ الْفَاعِلُ بِكَ هَذَا؟ قَالَ: عَبْدُ اللهِ
بْنُ الزِّبَعْرَىٰ..
فَأَخَذَ
أَبُو طَالِبٍ فَرْثًا وَدَمًا، فَلَطَّخَ بِهِ وُجُوهَ الْقَوْمِ وَلِحَاهُمْ وَثِيَابَهُمْ
وَأَسَاءَ لَهُمُ الْقَوْلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {وَهُمْ
يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: يَا عَمِّ نَزَلَتْ فِيكَ
آيَةٌ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَمْنَعُ قُرَيْشًا أَنْ تُؤْذِيَنِي، وَتَأْبَىٰ
أَنْ تُؤْمِنَ بِي!! فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ:
وَاللهِ
لَنْ يَصِــلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ حَتَّىٰ أُوَسَّـدَ فِي التُّرَابِ دَفِينًا
فَاصْدَعْ
بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ وَأَبْشِرْ بِذَاكَ وَقُرَّ مِنْكَ عُيونًا
وَدَعَوْتَنِي
وَزَعَمْتَ أَنَّكَ نَاصِحِي فَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ
قَبْلً أَمِينًا
وَعَرَضْتَ
دِينًا قَدْ عَرِفْتُ بِأَنَّهُ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ
دِينًا
لَوْلَا
الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارِ مَسَبَّةٍ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ يَقِينًا
قَالَ الْعَبَّاسُ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ –: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ
نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؟ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ،
قَالَ: ((نَعَمْ
هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلاَ أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ
مِنْ النَّارِ))
رواه البخاري
وَقَالَ
– صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ –: ((أَهْوَنُ أَهْلِ
النَّارِ عَذَابًا: أَبُو
طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ))
فَهَذَا
أَبُو طَالِبٍ، لَمْ يَنْفَعْهُ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ فَقَطْ، بَلْ لَا بُدَّ
مِنَ الْقَبُولِ وَالْإِذْعَانِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْخُضُوعِ وَالِانْقِيَادِ..
أَمَّا
عَبْدُ اللهِ بْنُ الزِّبَعْرَىٰ، فَسُبْحَانَ الله.. أَسْلَمَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ،
وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَاعْتَذَرَ إِلَىٰ النَّبِيِّ – صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَبِلَ عُذْرَهُ، فَكَانَ
صَحَابِيًّا مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ – صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الَّذِينَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، لِأَنَّهُ أَسْلَمَ وَاسْتَسْلَمَ وَأَذْعَنَ وَانْقَادَ
وَخَضَعَ لِأَمْرِ اللهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ – صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –.
هَذَا الدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ
الْعَظِيمُ.. مُتَضَمِّنٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ جَمِيعًا، وَقَدْ تَمَيَّزَ عَنِ
الْأَدْيَانِ السَّابِقَةِ بِكَوْنِ شَرِيعَتِهِ صَالِحَةً لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ
وَأُمَّةٍ، بَلْ لَا يْصُلُحُ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ وَالْأُمَّةُ إِلَّا بِشَرِيعَةِ
الْإِسْلَامِ، فَالتَّمَسُّكُ بِهَا وَتَطْبِيقُهَا هُوَ صَلَاحُ الْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ..
وَلَيْسَ
مَعْنَىٰ كُوْنِهَا صَالِحَةً لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَأُمَّةٍ أَنَّهَا خَاضِعَةٌ
لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَأُمَّةٍ، كَمَا يُرِيدُهَا بَعْضُ النَّاسِ، لَا..
الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ شَرِيعَةٌ مَرِنَةٌ، وَلَيْسَتْ شَرِيعَةً مَائِعَةً..
مَرِنَةٌ..
أَيْ: صَالِحَةً لِلتَّطْبِيقِ فِي أَيِّ ظُرُوفٍ، مَهْمَا حَصَلَ فِي حَالِ الْأُمَمِ
مِنْ تَغْيِيرٍ.. تَقَدُّمٌ وَتَطَوُّرٌ وَازْدِهَارٌ، أَوْ تَأَخُّرٌ وَتَخَلُّفٌ
وَانْدِثَارٌ، مَهْمَا حَصَلَ.. فَالشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ شَرِيعَةٌ مَرِنَةٌ
تُطَبَّقُ فِي كُلِّ الظُّرُوفِ، وَلَيْسَتْ شَرِيعَةً مَائِعَةً خَاضِعَةً لِلظُّرُوفِ
تَتَغَيَّرُ حَسْبَ أَهْوَاءِ النَّاسِ وَشَهَوَاتِهِمْ..
فَهَذَا
دِينٌ عَظِيمٌ، كَامِلٌ مُتَكَامِلٌ، لَيْسَ بِهِ قُصُورٌ وَلَا ثَغَرَاتٌ، كَامِلٌ
فِي عَقِيدَتِهِ وَتَشْرِيعَاتِهِ، يَأْمُرُ بِتَوْحِيدِ اللهِ تَعَالَىٰ، وَيَنْهَىٰ
عَنِ الشِّرْكِ بِهِ، يَأْمُرُ بِالصِّدْقِ، وَيَنْهَىٰ عَنِ الْكَذِبِ، يَأْمُرُ
بِالْوَفَاءِ، وَيَنْهَىٰ عَنِ الْغَدْرِ، يَأْمُرُ بِالْأَمَانَةِ، وَيَنْهَىٰ عَنِ
الْخِيَانَةِ، يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ، وَيَنْهَىٰ عَنِ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ.
وَالْعَدْلُ هُوَ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ،
وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ، وَلَيْسَ الْعَدْلُ هُوَ الْمُسَاوَاةُ
الْمُطْلَقَةُ كَمَا يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ (دِينُ الْإِسْلَامِ دِينُ الْمُسَاوَاةِ)
وَيُطْلِقُ، لَا.. فَإِنَّ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ ظُلْمٌ وَجَوْرٌ
لَا يَأْتِي بِهِ الْإِسْلَامُ، وَلَا يُحْمَدُ
فَاعِلُهُ.
فَالْإِسْلَامُ يَدْعُو إِلَىٰ كُلِّ خُلُقٍ فَاضِلٍ، وَيَنْهَىٰ
عَنْ كُلِّ خُلُقٍ سَافِلٍ، وَيَأْمُرُ بِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ، وَيَنْهَىٰ عَنْ كُلِّ
عَمَلٍ سَيِّءٍ.. قَالَ تَعَالَىٰ: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَىٰ عَنِ
الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}
[النَّحْلِ: 90]
وَإِنَّ
شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ الْغَرَّاءَ قَامَتْ عَلَىٰ أُسُسٍ وَمَبَادِئَ عَظِيمَةٍ،
تَضْمَنُ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا صَلَاحَ حَالِهِ، وَسَعَادَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،
وَهَذِهِ الْأُسُسُ هِيَ:
1- نَفْيُ الْحَرَجِ
وَإِرَادَةُ التَّيْسِيرِ.
2- قِلَّةُ التَّكَالِيفِ.
3- التَّدَرُّجُ فِي التَّشْرِيعِ.
4- تَحْقِيقُ مَصَالِحِ النَّاسِ جَمِيعًا.
5- تَحْقِيقُ الْعَدَالَةِ.
2- قِلَّةُ التَّكَالِيفِ.
3- التَّدَرُّجُ فِي التَّشْرِيعِ.
4- تَحْقِيقُ مَصَالِحِ النَّاسِ جَمِيعًا.
5- تَحْقِيقُ الْعَدَالَةِ.
أَمَّا الْأَسَاسُ
الْأَوَّلُ فَهُوَ نَفْيُ
الْحَرَجِ:
وَالْحَرَجُ يَعْنِي: الضِّيقَ وَالْمَشَقَّةَ، وَهِيَ نَوْعَانِ:
1- مَشَقَّةٌ
يُمْكِنُ تَحَمُّلُهُا، وَلَا غِنَىٰ عَنْهَا، لِانْطِوَاءِ
التَّكَالِيفِ عَلَيْهَا، وَإِلَّا مَا كَانَ هُنَاكَ تَكْلِيفٌ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ
هُوَ إِلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ.. فَالصَّلَاةُ مَثَلًا فِي وَسَائِلِهَا وَحَقِيقَتِهَا
تُلَازِمُهَا مَشَقَّةٌ، وَلَكِنَّهَا مَشَقَّةٌ مُسْتَطَاعَةٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهَا،
يُمْكِنُ تَحَمُّلُهَا..
2- إِنَّمَا هُنَاكَ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الْمَشَقَّةِ لَا يُمْكِنُ تَحَمُّلُهُ، وَهُوَ مَا يَكُونُ فَوْقَ الطَّاقَةِ، وَتِلْكَ مَشَقَّةٌ لَا تَدُومُ مَعَهَا الطَّاعَةُ، بَلْ تَضِيقُ مِنْهَا النُّفُوسُ وَالصُّدُورُ، وَتِلْكَ الْمَشَقَّةُ هِيَ الَّتِي رَفَعَهَا اللهُ عَنِ النَّاسِ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ بِشَيْءٍ يَنْطَوِي عَلَيْهَا، تَيْسِيرًا لَهُمْ، وَتَخْفِيفًا عَنْهُمْ، وَرَحْمَةً مِنْهُ بِهِمْ..
2- إِنَّمَا هُنَاكَ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الْمَشَقَّةِ لَا يُمْكِنُ تَحَمُّلُهُ، وَهُوَ مَا يَكُونُ فَوْقَ الطَّاقَةِ، وَتِلْكَ مَشَقَّةٌ لَا تَدُومُ مَعَهَا الطَّاعَةُ، بَلْ تَضِيقُ مِنْهَا النُّفُوسُ وَالصُّدُورُ، وَتِلْكَ الْمَشَقَّةُ هِيَ الَّتِي رَفَعَهَا اللهُ عَنِ النَّاسِ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ بِشَيْءٍ يَنْطَوِي عَلَيْهَا، تَيْسِيرًا لَهُمْ، وَتَخْفِيفًا عَنْهُمْ، وَرَحْمَةً مِنْهُ بِهِمْ..
قَالَ تَعَالَىٰ: {وَمَا
جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الْحَجِّ: 78]
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {يُرِيدُ
اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185]
وَقَالَ
سُبْحَانَهُ: {يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ
الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النِّسَاءِ: 28]
وَقَالَ
سُبْحَانَهُ: {لَا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الْبَقَرَةِ: 286]
وَقَالَ
النَّبِيُّ – صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: ((يَسِّرُواْ وَلاَ
تُعَسِّرُواْ وَبَشِّرُوا وَلاَ
تُنَفِّرُوا)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
وَنَفْيُ
الْحَرَجِ يَلْزَمُ مِنْهُ قِلَّةُ التَّكَالِيفِ، وَهَذَا هُوَ الْأَسَاسُ الثَّانِي :
قِلَّةُ التَّكَالِيفِ: أَيْ: التَّكَالِيفَ
الشَّرْعِيَّةِ، الَّتِي كَلَّفَنَا اللهُ –
عَزَّ وَجَلَّ –
بِهَا، فَاللهُ – عَزَّ
وَجَلَّ – كَلَّفَنَا بِتَكَالِيفَ
قَلِيلَةٍ جِدًّا إِذَا مَا قِيسَتْ بِأَعْمَارِنا وَأَوْقَاتِنَا..
وَتَأَمَّلْ فِي قَوْلِ اللهِ –
عَزَّ وَجَلَّ –:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا
تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُواْ
عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ
غَفُورٌ حَلِيمٌ} [الْمَائِدَةِ: 101]
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ
وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ – صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنَّ اللهَ تَعَالَىٰ
فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ
تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلاَ
تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أشْيَاءَ
رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا))
فَتَأَمَّلْ كَيْفَ نَهَىٰ الشَّرْعُ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ
فِي عَهْدِ النَّبِيِّ –
صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
– حِينَمَا كَانَ الْوَحْيُ
يَنْزِلُ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي تَحْرِيمِ الْأَشْيَاءِ بَعْدَ
أَنْ كَانَتْ مُبَاحَةً لَهُمْ، حَتَّىٰ قَالَ –
صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
– فِي الْحَدِيثِ الَّذِي
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: ((إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا: مَنْ سَأَلَ عَنْ
شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ؛ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ))..
فَمِنْ
رَحْمَةِ اللهِ بِنَا أَنَّهُ لَمْ يُرْهِقْنَا بِكَثْرَةِ التَّكَالِيفِ، وَإِنَّمَا
كَلَّفَنَا بِمَا يَتَيَسَّرُ لَنَا أَنْ نَفْعَلَهُ..
انْظُرْ
بِاللهِ عَلَيْكَ وَتَأَمَّلْ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ
اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ
وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ
وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [الْمَائِدَةِ: 3]
وَانْظُرْ
أَيْضًا وَقَارِنْ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ فِي الْآيَةِ
الَّتِي بَعْدَهَا مُبَاشَرَةً: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا
أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [الْمَائِدَةِ: 4]
تَأَمَّلْ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ
حَيْثُ بَيَّنَ اللهُ – سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ – بَعْضَ الْأَشْيَاءِ الْمُحَرَّمَةِ
فِي الْآيَةِ الْأُولَىٰ، وَعَدَّهَا وَحَصَرَهَا لِقِلَّتِهَا!! بَيْنَمَا لَمْ
يُحَدِّدْ وَلَمْ يُفَصِّلِ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي أَحَلَّهَا لِعِبَادِهِ فِي الْآيَةِ
الثَّانِيَةِ، وَذَلِكَ لِكَثْرَتِهَا..
انْظُرْ إِلَىٰ قِلَّةِ مَا
كَلَّفَ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ....
الصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَةُ
فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.. لَا يَحْتَاجُ أَدَاؤُهَا عَلَىٰ الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ إِلَّا لِزَمَنٍ
قَلِيلٍ إِذَا مَا قِيسَ بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
الزَّكَاةُ.. لَمْ يَفْرِضْهَا اللهُ إِلَّا عَلَىٰ مَنْ
مَلَكَ نِصَابَهَا، وَالْقَدْرُ الْمَفْرُوضُ لَا يَتَعَدَّىٰ جُزْءًا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ
لِلْبَاقِي مِنَ الْمَالِ بَعْدَ أَدَائِهَا..
الصِّيَامُ.. يَجِبُ عَلَىٰ الْمُؤْمِنِينَ الْقَادِرِينَ عَلَيْهِ
شَهْرًا وَاحِدًا فِي السَّنَةِ.
الْحَجُّ.. وَاجِبٌ عَلَىٰ الْمُسْتَطِيعِ مَرَّةً وَاحِدَةً
فِي الْعُمُرِ كُلِّهِ....
أَرَأَيْتَ يَا أَخِي رَحْمَةَ
اللهِ!! أَرَأَيْتَ لُطْفَ اللهِ!! أَرَأَيْتَ رَأْفَةَ اللهِ!!..
لَكَمْ هِيَ قَلِيلَةٌ تِلْكَ
التَّكِالِيفُ الَّتِي كَلَّفَنَا اللهُ بِهَا.. أَلَا يَدْعُونَا هَذَا إِلَىٰ
حُبِّهِ جَلَّ وَعَلَا.. وَأَنْ نَتَقَبَّلَ أَوَامِرَهُ بِنُفُوسٍ رَاضِيَةٍ
مُطْمَئِنَّةٍ خَاضِعَةٍ مُسْتَسْلِمَةٍ مُذْعِنَةٍ مُطِيعَةٍ لِرَبِّهَا وَنَبِيِّهَا..
حَتَّىٰ نَنَالَ رِضَا اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ، وَنَكُونَ مِنَ الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللهُ.. وَيَا مَفَازَ مَنْ
أَحَبَّهُ رَبُّهُ. نَسْأَلُ اللهَ أَنْ نَكُونَ مِنْهُمْ..
أَقُولُ
قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ..
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ
للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَهُ الْحَمْدُ الْحَسَنُ، وَالثَّنَاءُ الْجَمِيلُ، وَأَشْهَدُ
أَنْ لَا إلهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ
يَهْدِي السَّبِيلَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ..
مِنَ
الْأُسُسِ الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهَا الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ:
التَّدَرُّجُ فِي التَّشْرِيعِ: فَإِنَّ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ لَمْ تَنْزِلْ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْأَحْكَامُ تَنْزِلُ عَلَىٰ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
التَّدَرُّجُ فِي التَّشْرِيعِ: فَإِنَّ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ لَمْ تَنْزِلْ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْأَحْكَامُ تَنْزِلُ عَلَىٰ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
1- إِمَّا جَوَابًا عَنْ سُؤَال.
2- وَإِمَّا بَيَانًا لِحُكْمِ
حَادِثَةٍ وَقَعَتْ.
3- وَإِمَّا بِنَاءً عَلَىٰ
تَقْدِيرٍ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ أَنَّ حَكْمًا مُعَيَّنًا قَدْ آنَ الْأَوَانُ لِتَشْرِيعِهِ
وَتَنْفِيذِهِ.
وَحِكْمَةُ
هَذَا التَّدَرُّجِ أَنَّ اللهَ يُرِيدُ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْيُسْرَ وَالتَّخْفِيفَ،
فَأَنْزَلَ الْأَحْكَامَ مُنَجَّمَةً مُفَرَّقَةً، حَتَّىٰ يَسْهُلَ عَلَىٰ الْمُكَلَّفِينَ
وَالْمُخَاطَبِينَ بِهَا فِهْمُهَا وَحِفْظُهَا وَالِامْتِثَالُ لَهَا..
وَمِنْ أَمْثِلَةِ
التَّدَرُّجِ فِي التَّشْرِيعِ:
التَّدَرُّجُ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ؛ حَيْثُ لَمْ يُحَرَّمِ الْخَمْرُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا حُرِّمَ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَىٰ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ حَيْثُ كَانَتْ قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَىٰ..
التَّدَرُّجُ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ؛ حَيْثُ لَمْ يُحَرَّمِ الْخَمْرُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا حُرِّمَ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَىٰ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ حَيْثُ كَانَتْ قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَىٰ..
1- فِي
الْمَرْحَلَةِ الْأُولَىٰ قَالَ اللهُ تَعَالَىٰ: {يَسْأَلُونَكَ
عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ
وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [الْبَقَرَةِ: 219].. فَبَيَّنَ اللهُ أَنَّ
فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ إِثْمًا يَغْلِبُ عَلَىٰ مَا فِيهِمَا مِنْ نَفْعٍ، وَلَمْ
يُحَرِّمْهُمَا، وَإِنَّمَا تَرَكَ الْأَمْرَ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ لِذَوِي الْعُقُولِ
السَّلِيمَةِ أَنَّ الشَّرَّ يَفُوقُ الْخَيْرَ فِيهِمِا..
2- ثُمَّ
بَعْدَ ذَلِكَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ تَحْرِيمًا جُزْئِيًّا فِي الصَّلَاةِ.. فَقَالَ
تَعَالَىٰ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ
الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} [النِّسَاءِ: 43]
3- ثُمَّ
بَعْدَ ذَلِكَ تَهَيَّأَتِ النُّفُوسُ لِلتَّحْرِيمِ الْقَاطِعِ، فَأَنْزَلَ اللهُ
تَعَالَىٰ قَوْلَهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا
الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ
الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ
مُنْتَهُونَ} [الْمَائِدَةِ: 90-91] فَقَالَ الصَّحَابَةُ:
انْتَهَيْنَا رَبَّنَا.. وَبِهَذَا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ تَحْرِيمًا قَطْعِيًّا.
كَذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا، فَقَدْ حُرِّمَ أَيْضًا
عَلَىٰ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ:
1- الْمَرْحَلَةُ
الْأُولَىٰ: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ
فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} فَهَذِهِ الْآيَةُ غَايَةُ
مَا فِيهَا ذَمُّ الرِّبَا وَالتَّنْفِيرُ مِنْهُ لِتَتَهَيَّأَ النُّفُوسُ بَعْدَ
ذَلِكَ لِتَحْرِيمِهِ.
2- ثُمَّ
بَعْدَ ذَلِكَ نَزَلَتِ الْآيَاتُ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا وَتَحْرِيمِ مُضَاعَفَةِ فَوَائِدِهِ
فِي حَالِ تَأْخِيرِ السَّدَادِ فَقَالَ تَعَالَىٰ: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ
اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ
لِلْكَافِرِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 130-131]
3- ثُمَّ
نَزَلَتِ الْآيَاتُ تُنَادِي الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أَنْ تَهَيَّئَتْ نُفُوسُهُمْ،
وَتَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِ مَا تَبَقَّىٰ مِنْ مُعَامَلَاتٍ رَبَوِيَّةٍ خَفِيفَةٍ،
وَتَوَعَّدَتْ مَنْ يَتَعَامَلُ بِالرِّبَا بِأَيِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِهِ وَبِأَيِّ
شَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِهِ بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ تَعَالَىٰ: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ
كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ
اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا
تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [الْبَقَرَةِ 278-279] وَبِذَلِكَ حُرِّمَ الرِّبَا
تَحْرِيمًا قَطْعِيًّا ..
وَهَكَذَا
كَانَ التَّدَرُّجُ فِي التَّشْرِيعِ، وَالْأَمْثِلَةُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا..
وَمِنَ الْأُسُسِ الَّتِي
قَامَتْ عَلَيْهَا الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ:
تَحْقِيقُ مَصَالِحِ النَّاسِ جَمِيعًا: فَقَدْ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ
بِكُلِّ مَا يُحَقِّقُ الْخَيْرَ لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَحَرَّمَتْ
عَلَيْهِمْ كُلَّ مَا فِيهِ ضَرَرٌ لِهُمْ يَزِيدُ عَلَىٰ مَا يُحَقِّقُهُ مِنْ نَفْعٍ..
وَمَا النَّسْخُ إِلَّا لَوْنٌ مِنْ أَلْوَانِ تَحْقِيقِ الْمَصْلَحَةِ حَيْثُ أُبْطِلَتْ
أَحْكَامٌ وَغُيِّرَتْ أَحْكَامٌ لَمَّا اقْتَضَتْ مَصْلَحَةُ الْعِبَادِ ذَلِكَ..
قَالَ تَعَالَىٰ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الْبَقَرَةِ: 106]
وَمِنَ
الْأُسُسِ الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهَا الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ:
تَحْقِيقُ الْعَدَالَةِ بَيْنَ النَّاسِ
جَمِيعًا،
فَهُمْ أَمَامَ اللهِ سَوَاءٌ، لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَىٰ أَعْجَمِيٍّ، وَلَا
لِأَبْيَضَ عَلَىٰ أَسْوَدَ أَوْ أَصْفَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَىٰ، وَهَذَا هُوَ مِيزَانُ
الْعَدَالَةِ الَّتِي لَا تُحَابِي أَحَدًا، وَتِلْكَ هِيَ الْمُسَاوَاةُ الَّتِي
لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ النَّاسِ بِسَبَبِ الْحَسَبِ وَالنَّسَبِ، أَوِ الْمَالِ وَالْجَاهِ،
أَوِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ، أَوِ اللَّوْنِ، قَالَ تَعَالَىٰ: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الْمَائِدَةِ: 8]
فَقَدْ
أَمَرَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْدِلُواْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْفُسِهِمْ،
وَفِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ يَبْغَضُونَهُمْ أَيْضًا، فَالْعَدْلُ مَطْلُوبٌ
مَعَ مَنْ تُحِبُّ وَمَنْ لَا تَحِبُّ.. وَمَا أَوْضَحَ وَأَبْيَنَ الْعَدْلَ فِي
قَوْلِ النَّبِيِّ – صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ – كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلّيْهِ: ((أَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ
الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا
سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُواْ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللهِ لَوْ
أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)).
فَمَا
أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ إِلَىٰ الْعَوْدَةِ إِلَىٰ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ
الْعَظِيمَةِ الْغَرَّاءِ السَّمْحَةِ.. وَأَنْ نَسْتَمْسِكَ بِهَا وَنُطَبِّقَهَا
عَلَىٰ أَنْفُسِنَا وَأَهْلِنَا وَرَعِيَّتِنَا
نَسْأَلُ
اللهَ أَنْ يَرُدَّ الْمُسْلِمِينَ إِلَىٰ دِينِهِمْ رَدًّا جَمِيلًا..
وَأَقُولُ
قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق